محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

42

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ « 1 » وقال في سورة النساء « 2 » في الموضع الأول : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وفي الموضع الثاني : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً « 3 » وقال في سورة الحديد « 4 » : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ . للسائل أن يسأل عن المواضع الأربعة ، عن اختلاف اللفظين في الموضعين ، واتفاقهما في الموضعين ، واختصاص الموضعين بالواو ، واختصاص الموضعين الآخرين بأن ، وأن يسأل فيقول : ذكر في الآية الأولى : « الكفار الأثيم » وفي الآية الثانية : « الخوان الأثيم » وفي الثالثة : « المختال الفخور » فهل في كل مكان معنى يوجب اختصاصه باللفظ المستعمل فيه وما ذلك المعنى ؟ . الجواب أن يقال : إن الآية الأولى في الكفار الذين استحلوا ما حرم اللّه ، وعارضوا ما أنزل اللّه فقالوا : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا « 5 » حتى قال : فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ « 5 » فعظم كفرهم وسمي كل واحد منهم كفارا على لفظ المبالغة ؛ لأن كفارا بعد كافر لمن هو مقيم على الكفر ، والكفر عادته كضارب وضراب وخائط وخياط ، ثم اتبعه بقوله : أَثِيمٍ أي : مبالغ في اكتساب الإثم ، وأثيم أبلغ من آثم ، فإذا كفر كفرا بعد كفر وأقام عليه ، وهو وصف من أخبر عنه بالاستحلال للربا سماه كفارا ، فصار أثيما بذلك ، وسائر أبنية الأفعال التي تلحقها بالكفر ، وأما الوضع الثاني وهو الأول من سورة النساء ، فإنه أمرهم بالعبادة وترك الشرك فقال : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً « 7 » أخبرهم بأنهم عبيد والعبد لا يحسن منه الاختيال والفخر ؛ لأن الرق والذل يخالفانه ، فلذلك عقبه بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً وعقبهما ب الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ لأنه بعد العبادة أمرهم بالإحسان إلى الوالدين وإعطاء ذي القربى واليتامى والمساكين ، فقال : إن اللّه لا يحب العبد المختال الفخور البخيل ، وأما الموضع الثالث وهو الثاني من سورة النساء : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً

--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 276 . ( 4 ) الآيتان : 23 و 24 . ( 2 ) الآيتان : 36 و 37 . ( 5 ) سورة : البقرة ، الآية : 275 . ( 3 ) سورة : النساء ، الآية : 107 . ( 7 ) سورة : النساء ، الآية : 36 .